عُرف في العصر العثماني باسم الجامع الكبير الشريف.. معلومات قد لا تعرفها عن آيا صوفيا أيقونة التاريخ التركي؟

ما بين كنيسة ومتحف ومسجد تظل لبناء “آيا صوفيا” في مدينة إسطنبول التركية رمزية تاريخية ودينية وسياسية كبرى على مدار عمرها الممتد لما يقارب من 1500 عام، فضلاً عن كونها تحفة معمارية فريدة وأحد أهم الآثار الفنية في العالم.

وكان ذلك بعد فتح القسطنطينية على أيدي العثمانيين في أواخر مايو 1453 م، التي حُولت الكنيسة إلى مسجد، وأدى به السلطان محمد الثاني (المعروف باسم محمد الفاتح) أول صلاة جمعة بعد دخوله المدينة وكان ذلك من يونيو من العام ذاته، مُصدرا أوامر بتغطية الرسوم والنقوش المسيحية.

وعلى مدى السنوات التالية أُضيفت سمات معمارية إسلامية للمبنى مثل المنبر والمحراب ومآذنه الأربع.

آيا صوفيا بجمالها الاستثنائي، أضحت الجامع الكبير الشريف في عهد السلطان محمد الفاتح، فمن كنيسة إلى مسجد يصدح في سماء آيا صوفيا، أول آذان في عهد محمد الفاتح، الذي سجد وكبر على بلاطها عام 1453.

وظل مسجد آيا صوفيا والذي أطلق عليه اسم “الجامع الكبير” المسجد الرئيسي في القسطنطينية، حتى بناء مسجد السلطان أحمد المعروف باسم “المسجد الأزرق” عام 1616 والذي استلهم ومساجد أخرى سمات معمارية من الكاتدرائية، كما جرى تأسيس مدارس إسلامية ملحقة بالمسجد.

تغنى بها الأدباء والشّعراء، حتى كتب عنها، الشاعر التركي يحيى كمال بياتلي: “هذه الدولة لها أساسان معنويان، أولها الأذان من مآذن آيا صوفيا وهي مازالت تصدح”. 

آيا صوفيا الحكمة الإلهية

كانت تسمى بالكنيسة العظيمة، ومن ثم أطلق عليها اسم صوفيا، وخلال القرن الخامس استمرت تسميتها بالكنيسة العظيمة حتى بعد الفتح عام 1453، ومن ثم تغير الاسم إلى آيا صوفيا.

تم تكريس الكنيسة إلى ثيا صوفيا، العنصر الثاني في الثالوث المسيحي، وهي تعني الحكمة المقدسة. وسميت الكنيسة لاحقًا آيا صوفيا، أي حكمة القديس، أو الحكمة الإلهية.

آيا صوفيا أيقونة التاريخ التركي

يحكي لنا التاريخ التركي عن كنيسةٍ بقيت معالمها الأثرية 916 عام، من حيث إبداع الفن والعمارة، ليتلاقى جناحي القديس وحكمته على قبة آيا صوفيا، حتى وصفها فيلو الشرق بـ الأعجوبة الثامنة.

ومع فتح القسطنطينية بقيادة السلطان محمد الفاتح عام 1453، تحولت الكنيسة إلى مسجد، وبقيت مسجدًا لمدة 482 عام.

وفي عهد مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، تم تحويل المسجد إلى متحف عام 1935، لتصبح آيا صوفيا المتحف الأثري الأكثر زيارة في العالم، فقد بني ثلاث مرات، وعاهد ثلاث عصور، ويحوي آثار الفن العمراني القديم ليكون أعجوبة تاريخ الفن والعمارة.

اقرأ أيضاً: من أهم الخطوط في العالم.. معلومات عن الخطوط الجوية التركية

حتى أتى عهد الرئيس رجب طيب أردوغان ، الذي أعاد المتحف إلى مسجد من جديد، وأصبح جامع آيا صوفيا، من أشهر المعالم الدينية والتاريخية في مدينة إسطنبول، مفتوحًا للسياح والمصلين معًا، ليكون المسجد امتزاج حضارتين قديمتين، المسيحية والمسلمة معًا، ومازالت آثاره الدينية شاهدة على الإبداع العمراني القديم حتى الآن.

يقع مسجد آيا صوفيا (الجامع الكبير الشريف) في القسم الأوروبي من إسطنبول، الذي احتضنت جدرانه القديمة مياه البوسفور، بالقرب من منطقة “السلطان أحمد” التاريخية، وليصافح عن قرب المسجد الأزرق الشهير، حيث تم ترميم المسجد عام 1849. 

آيا صوفيا رحلة مثيرة عبر التّاريخ 

تعال معي، لندخل أبواب جامع آيا صوفيا، ونتعرف على الفن العمراني الأخاذ لمسجد آيا صوفيا (الجامع الكبير الشريف)، الذي يعدّ من أبرز الأمثلة على امتزاج العمارة البيزنطية والزخرفة العثمانية.

من أبواب آيا صوفيا، تحط قدمك الأولى، لتمشي في الرواق الداخلي، وتسافر عينيك إلى سقف الرواق، لتجلس بالقرب من فسيفساء المسيح، باعتباره حاكم الكل، حسب التاريخ البيزنطي، في عهد جستنيان الأول، الإمبراطور البيزنطي، الذي جلب الأعمدة والرخام من مصر حتى بعلبك وسورية. واستُخدم الرخام بمختلف ألوانه، وزُينت الجدران الداخلية بفسيفساء من الذهب والفضة والزجاج والقرميد وأجزاء من الحجارة الملونة.

ومن الرواق الداخلي إلى المساحة الرئيسية للمبنى، تقف عند الباب الإمبراطوري لتشاهد أجنحة البوابة التي يُزعم أنها صنعت من غابات سفينة نوح منذ القرن السادس، وتكتشف الفسيفساء الرائعة، الذي يعود تاريخها إلى القرن العاشر، رسم يسوع في منتصف المشهد المهيب يحمل كتابًا مقدسًا مفتوحًا في يده اليسرى، وعند يده اليمنى الإمبراطور السادس بارك ليون، الذي يصور السجود عند قدميه.

والصحن الضخم، يأخذك في رحلة أسطورية حتى القبة، الذي يعد أهم ابتكار هندسي في آيا صوفيا، بحجمه الكبير والمهيب، حيث استخدم المهندسون الرخام والحجر والطوب في تشييد المبنى، وصنعت خصيصًا من تربة ردوس، لمنع القبة من الانهيار، ولكي وتبقى صامدة حتى أيامنا هذه.

في وسط الفسيفساء تجلس السيدة العذراء على عرش الأحجار الكريمة، تحمل الطفل يسوع بين يديها، وعلى جانبها الأيسر رمز القسطنطينية ورسم كونستانتينوس، ورمز آيا صوفيا في جانبها الأيمن مع رسم شخصية جستنيان باني الكنيسة الأولى، وكأن المدينة والكنيسة في حماية مريم العذراء وطفلها.

اقرأ أيضاً: معلومات قد لا تعرفها عن مطار إسطنبول الجديد

لم تنتهِ الزّخارف الرّوحانية هنا، اقترب أكثر لترى ملاكين، يطيران في جانبي الحنية، جبرائيل على اليمين وميخائيل على اليسار، وبعض من زخارف غابرييل ومايكل، لتنتقل إلى الدرابزين الرخامي، ونقش الفايكينغ، مازالت مرسومة حتى يومنا هذا، إضافة إلى رسومات الملائكة المنتشرة في القبة، حيث كانوا يعتقدون قديمًا أنهم يحمون عرش الله في السّماء.

تقدم قليلًا، لتتنقّل بين فسيفساء المكان، وكأنك في رحلة تاريخية مثيرة، فمن المحاريب النصف مقوسة، لفسيفساء البطاركة الستّة في تمبانون، حتى فسيفساء الإمبراطور ألكسندروس موزايك، إلى فسيفساء الإمبراطور زوي وزوجته، ورسم يسوع جالسًا في الوسط التي يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر.

تتأرجح عيناك بين فسيفساء ديسيس، إلى شاهدة قبر قائد الحملة الصليبية هنريكوس داندولو، ثم تتساءل عن أكياس النقود في أيدي الأباطرة، قد تظن أنها تبرعاتهم لآيا صوفيا والسيدة العذراء تحمل طفلها يسوع.

ومن أشهر فسيفساء آيا صوفيا، فسيفساء ديسيس (يوم القيامة)، الواقعة على قاعدة الباب المفتوح إلى المعرض في بيت القسيس، وهي بداية الرسم الروماني الشرقي، حيث تم تصوير يوانيس برودروموس على يمين يسوع ومريم على اليسار.

صورة ماري ويوانس برودروموس على أنهما يتوسلان إلى يسوع من أجل مغفرة البشرية في يوم القيامة، وتعكس هذه الأشكال الثلاثة فن تصوير الفترة الهلنستية. 

1500 سنة والآثار مازالت حاضرة 

هل رأيت عمودًا تضع إبهامك في ثقبه وتدوره بدورة عقارب الساعة، لتحقيق أمنياتك؟

إن كنت رأيته حقًا، فأنت بالتأكيد في آيا صوفيا، تحديدًا في الاتجاه الشمالي الغربي، فمن عهد جستنيان تقول الأسطورة أن الإمبراطور كان يعاني من صداع شديد، وقد شفي من الألم عندما اتّكئ على العمود، فانتشرت الأساطير عن عمود الرغبات حتى يومنا هذا.

العمارة الإسلامية كان لها نصيبٌ في تاريخ آيا صوفيا العريق، فمن المآذن المزخرفة إلى المآذن المشتركة، إلى المنبر الرخامي في عهد السلطان مراد على يمين المحراب.

وبسبب وزن القبة في آيا صوفيا بنى المهندس المعماري سنان، جدران دعامات ثقيلة وإضافات مقوسة، والفجوات التي تدعم القبة، ليرمم الجدران الداعمة في عهد الرومان الشرقيين.

إضافة إلى مكعبين رخاميين ينتميان إلى السلطان الثالث، ويوجد قناديل زيت تعبأ من أجل أدعية العيد.

اقرأ أيضاً: تأسست في عهد الدولة العثمانية وتجاوز عمرها 150 عام.. معلومات عن مؤسسة البريد التركي PTT

يوجد مقصورةٍ سداسية الشكل على خمسة أعمدة وممر يرتكز على أعمدة رخاميةٍ، حيث يتكون الجزء السفلي من لوح درابزين رخامي.

وعندما نقول مئذنة ومنبر فنحن قريبين من المحراب، وهو في الجنوب الشرقي من المساحة الرئيسية، تم ترميمه من السلاطين العثمانيين، وله مكانة مقدسة من حيث زخارف أمة الله والنجوم الذهبية المنتشرة في سماء المحراب، مع غطاء شبه مقبب وشمعدانين تراثيين، وقد تم تجديد هذا المحراب في القرن التاسع عشر.

اقترب، فأنت في البلاط المقدس حول المحراب، حيث تتناغم لوحات البلاط المزخرفة، بأشكال نباتية من القرن السادس عشر، إلى رسم الكعبة في اللوحة اليمنى، وهناك صورة أيضًا تظهر قبر محمد (ص).

وعلى جانبي المحراب، لوحات خطية متقنة الصنع، تعود للسلاطين العثمانيين وكتابات مهيبة، لخمس لوحات وهي:

• لوحة الخط الأول (كلمة التوحيد)، السلطان الثاني محمود (1808-1839).

• لوحة الخط الثاني، (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)، السلطان الثاني محمود (1808-1839).

• الخط الثالث، (رأس الحكمة مخافة الله)، السلطان الثالث أحمد (1703-1730).

• الخط الرابع، (اللهم أدخلنا الجنة بشفاعة محمد عليه السلام)، السلطان الثاني مصطفى (1695-1703).

• لوحة الخط الخامس، (البسملة كتبت بخط المحقق)، السلطان الثاني، كتبه مصطفى (1695-1703).

إضافةً إلى ثماني لوحات تزيّن جدران المسجد، تحمل لفظ الجلالة الله، وأسماء: ( محمد، علي، الحسن، الحسين، أبو بكر، عمر، عثمان)، وهي من بين أكبر اللوحات في العالم الإسلامي، وعلِّقت تلك اللوحات في عهد السلطان عبد المجيد، حين قام بترميم المسجد كاملًا ما بين عامَي 1847 و1851، وكتبها الخطاط مصطفى عزت أفندي، بالذهب على أرضية خضراء مصنوعة من القنب.

طبعًا لن ننسَ نافورة آيا صوفيا فائقة الجمال، برواقٍ مقوسة بثمانية رؤوس وفتحات واسعة، وترتكز على ثمانية أعمدة ذات تيجان مقرنصة.

وتنتقل الرحلة إلى الطراز التركي الكلاسيكي، والمسبح المائي ونافورتها الرخامية، وقبة بشرائح مذهبة على خلفية زرقاء في القسم الداخلي من القبة.

اقرأ أيضاً: مطار صبيحة كوكجن الدولي في إسطنبول

إضافة إلى فسيفساء السلطان عبد المجيد على الجانب الأيمن من الباب الكبير، بتوقيع السلطان العثماني، من حبات الفسيفساء الملونة على أرضية مغطاة بحبيبات ذهبية، لتؤكد لك جمال الفن التركي.

ونهاية هذه الرحلة التاريخية المثيرة، هي مكتبة السلطان محمد الأول، المعروفة باسم مكتبة آيا صوفيا، والتي مازالت حتى الآن منذ عام 1740، وتحوي كتب المؤرخين، وجزء من الكتب جاء من الخزانة، أما الجزء الآخر فهي هدايا كتب من الوزير الأكبر شيخ الإسلام ودار سعاد آغاوات وغيرهم من رجال الدولة، حتى تضمنت المكتبة 4000 كتاب.

احصل على استشارة مجانية من شركة دليل للاستشارات القانونية في تركيا، للتواصل وللاستفسار عبر الأرقام:

00905050173000

00905346395117

‏ أو على الرابط: إضغط هنا

صفحة دليل للاستشارات على فيس بوك: إضغط هنا

‏قناة دليل للاستشارات على تيليجرام: إضغط هنا

مصادر: 1، 2،3  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى